ابن كثير

194

البداية والنهاية

معاوية ، استصغر يوم أحد ، وأبو يوسف كان أكبر أصحاب أبي حنيفة ، روى الحديث عن الأعمش وهمام بن عروة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن سعيد وغيرهم . وعنه محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين . قال علي بن الجعد : سمعته يقول : توفي أبي وأنا صغير فأسلمتني أمي إلى قصار فكنت أمر على حلقة أبي حنيفة فأجلس فيها ، فكانت أمي تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بي إلى القصار ، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة ، فلما طال ذلك عليها قالت لأبي حنيفة : إن هذا صبي يتيم ليس له شئ إلا ما أطعمه من مغزلي ، وإنك قد أفسدته علي . فقال لها : اسكتي يا رعناء ، ها هوذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج فقالت له : إنك شيخ قد خرفت . قال أبو يوسف : فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي وهو أول من لقب قاضي القضاة ، وكان يقال له : قاضي قضاة الدنيا ، لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة - . قال أبو يوسف : فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج في صحن فيروزج فقال لي : كل من هذا ، فإنه لا يصنع لنا في كل وقت . وقلت : وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هذا الفالوذج . قال فتبسمت فقال : ما لك تتبسم ؟ فقلت : لا شئ أبقى الله أمير المؤمنين . فقال : لتخبرني . فقصصت عليه القصة فقال : إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة . ثم قال : رحم الله أبا حنيفة ، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه . وكان أبو حنيفة يقول عن أبي يوسف : إنه أعلم أصحابه . وقال المزني : كان أبو يوسف أتبعهم للحديث . وقال ابن المديني : كان صدوقا . وقال ابن معين : كان ثقة . وقال أبو زرعة : كان سليما من التجهم . وقال بشار الخفاف : سمعت أبا يوسف يقول : من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه ، وفرض مباينته ، ولا يجوز السلام ولا رده عليه . ومن كلامه الذي ينبغي كتابته بماء الذهب قوله : من طلب المال بالكيما ( 1 ) أفلس ، ومن تتبع غرائب الحديث كذب ، ومن طلب العلم بالكلام تزندق . ولما تناظر هو ومالك بالمدينة بحضرة الرشيد في مسألة الصاع وزكاة الخضراوات احتج مالك بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافهم ، وبأنه لم يكن الخضراوات يخرج فيها شئ في زمن الخلفاء الراشدين . فقال أبو يوسف : لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت . وهذا إنصاف منه . وقد كان يحضر في مجلس حكمه العلماء على طبقاتهم ، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا وكان

--> ( 1 ) الكيما : يعني الكيمياء ، ولفظ الكيمياء عبراني معرف أصله ( كيم يه ) ومعنى ذلك آية من الله ، وقد اختلف الناس فيها اختلافا شديدا وكثير منهم قائلون بامتناعها إلا ما يفيد الاستعباد . وهو علم يراد به سلب الجواهر المعدنية خواصها ، وأفادتها خواصا لم تكن لها . ( مفتاح السعادة 1 / 317 ) .